أحمد مصطفى المراغي
20
تفسير المراغي
على إيمانهم ، حتى بيّن اللّه له طباعهم وأخلاقهم ليعرف مبلغ أمرهم في قبول دعوته وأنه لا أمل له فيهم بحال . ( وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ) أي وما وجدنا لأكثر أولئك الأقوام عهدا ما يفون به سواء كان عهد الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها - إذ قد فطر اللّه أنفس البشر على الشعور بسلطان غيبى فوق جميع القوى ، وعلى إيثار الحسن واجتناب غيره وعلى حب الكمال وكراهة النقص - أم كان العهد الذي أخذه ربهم عليهم وهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو ، وأقروا بذلك وشهدوا على أنفسهم به وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم وعبدوا معه غيره بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع ، وقد جاء في صحيح مسلم : « يقول اللّه : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم » و في الصحيحين : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه » . ( وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ) أي وإننا وجدنا أكثرهم خارجين على كل عهد فطرى وشرعي وعرفى ، فهم ناكثون غادرون للعهود مرتكبون أفانين المعاصي . وفي التعبير بالأكثر إيماء إلى أن بعضهم قد آمن والتزم كل عهد عاهده اللّه عليه أو تعاهد عليه مع الناس . وهذا من دأب القرآن في تحقيق الحقائق على وجه الصدق بحيث لا تشوبها شبهات المبالغة بما يسلب أحدا حقه أو يعطى أحدا حق غيره . قصص موسى عليه السلام [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 103 إلى 112 ] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 103 ) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 104 ) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 105 ) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 106 ) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 107 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 108 ) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 109 ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ ( 110 ) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 111 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 112 )